محمد بن أحمد الفاسي

30

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وكان يسارع إلى دعوى اتفاق أهل مذهبه ولدعوى الإجماع ، ولا يخلو في ذلك من نزاع ، ولو أعرض عن جميع هذه الأمور ، وعن إدخال نفسه فيما بين الناس من الشرور ، وعما ينسب إليه من اتباع الهوى في الفتن ؛ لكان الثناء عليه أكثر وأجمل ، ولعل لخدمته للعلم يعفى عنه كل زلل . وقد درس بالحرمين ، وأفتى فيهما كثيرا . وكنت أتعرف رأيه في كثير من مسائل الفقه ، لما في كثير منها من الغموض . وكان يستحسن تقريرى للسؤال عنها ، وما أشير إليه من أثناء السؤال من الجواب عنه . وقد سوغ لي الإفتاء والتدريس في المذهب ، ورواية ما له من مروى ومصنف . وكتب لي خطه بذلك ، وصورة ما كتبه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم ، يقول كاتبه العبد الفقير إلى ربه ، محمد بن أحمد الوانوغى : إنه لما منّ اللّه سبحانه علىّ بالتردد إلى مكة المشرفة حاجا ومعتمرا ومجاورا ، وطلبت الاجتماع بعلمائها وفضلائها وصلحائها وحكامها ، كان ممن اجتمعت به وذاكرته وباحثته مرارا عديدة في مسائل كثيرة من مسائل الفقه وغوامضه ، وما يتعلق بها . وتكررت أسئلته عن ذلك كله ، وباحثته فيها مرة بعد أخرى ، السيد الفقيه الفاضل ، الأعدل ، الأكمل ، الجامع للصفات الكاملة الحسنى ، الأصيل ، القاضي تقى الدين محمد ابن الشيخ الحسيب ، الأصيل شهاب الدين أحمد بن علي الفاسي ، نفع اللّه بفوائده وعلومه الجليلة . وقد ورد علينا بالمدينة المشرفة ، وحضر معنا درس الفقه والأصول ، وأبدى فيه من فوائده ومباحثه الجليلة ما يليق بعلمه وفضله على طريقة أهل الفنون والمباحثة ، فرأيته بذلك كله أهلا للتدريس ، والفتوى ، والحكم ، وإفادة الطالبين مع ما جبل عليه من حسن الفهم ، وحسن الإيراد ، وسعة التأنى في البحث والمراجعة فيه ، فأوجب ذلك كله الإذن له في التدريس ، والفتوى ، وإفادة الطلبة وحثه على الاشتغال بذلك كله ، والملازمة له ؛ لينتفع به الناس عموما وأهل بلده خصوصا ، فإني لم أر في فقهاء المالكية بالحجاز كله من يقاربه في جميع ما ذكر - نفع اللّه به - ولا في اتصافه في العلم ، ولا في الفهم عن الأئمة - زاده اللّه وإيانا فقها وعلما - فليتجرد - أعزه اللّه تعالى - لذلك ، ويأخذ فيه بالحزم ، والعزم لمسيس الحاجة في ذلك ، وافتقار الناس إليه زمانا ومكانا . واللّه سبحانه يسدده ، ويوفقه للخير ، والفهم ، والجد في العلم بمنه وكرمه .